جمال الدين بن نباتة المصري
107
سرح العيون في شرح رسالة ابن زيدون
وحكى خالد بن صفوان ؛ قال : كنت بالرّصافة عند هشام بن عبد الملك ، فقدم عليه العباس بن الوليد ، فغشيته الناس ، فدخلت عليه ، فقال : حدّثنى عن تسويدكم الأحنف ، وانقيادكم له ؛ فقلت : إن شئت حدّثتك عنه بواحدة تسوّد ، وإن شئت باثنتين ، وإن شئت بثلاث ، وإن شئت حدّثتك عشيّتك حتى تنقضى ولم تشعر بصومك - وكان صائما في يوم خميس - فقال : هات الأولى ؛ فقلت : كان أعظم من رأينا أو سمعنا سلطانا على نفسه في ما أراد حملها عليه ، أو دفعها عنه ، ثم أدركني ذهني فقلت : غير الخلفاء . فقال : لقد ذكرتها نجلاء كافية ؛ فما الثانية ؟ قلت : قد يكون الرّجل عظيم السّلطان على نفسه ولا يكون بصيرا بالمحاسن والمساوى ، ولم نر ولم نسمع بأحد أبصر منه بالمحاسن والمساوى ؛ فلا يحمل السلطنة إلا على حسن ، ولا يكفّها إلّا عن قبيح . فقال : قد جئت بصلة الأولى لا تصلح إلا بها ؛ فما الثالثة ؟ قلت : قد يكون الرّجل عظيم السلطان على نفسه ، بصيرا بالمحاسن والمساوى ، ولا يكون حظيظا فلا ينشر له ذكر ، وكان الأحنف عند الناس مشهورا . قال : وأبيك لقد وصلت الاثنتين ، فما بقيّة ما يقطع عنى الصوم العشيّة ؟ قلت : أيّامه السالفة ، مثل : فتح خراسان ، اجتمعت عليه الأعاجم بمرو الرّوذ ، فجاءه ما لا قبل له به ، وهو في منزل مضيعة ، وقد بلغ به الأمر ، فصلّى العشاء الآخرة ودعا ، وتضرّع إلى اللّه تعالى أن يوفّقه . ثم خرج يمشى في العسكر مشى المكروب متنكّرا ليسمع ما يقول الناس ، فمرّ بعبد يعجن وهو يقول لصاحب له : العجب لأميرنا ! يقيم بالمسلمين في منزل مضيعة ، وقد أطاف بهم العدوّ من